Book Available at Darusalam London and Dar Makkah Birmingham in UK, and Maktabah Bayt As-Salam in Riyad

تقديــم شيخ صهيب حسن عبدالغفّار

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين محمد و على آله و صحبه أجمعين و بعدُ/

فإنّ علم الحديث من أشرف العلوم و أجلّها حيث أنه يربط المسلم برسوله محمد صلى الله عليه و سلّم، و ليس هو قاصِرًا على التحديث و علم الأسانيد و الرجال و معرفة صحيح الحديث عن سقيمه بل هو يتشكّل عمليًّا في حياة المسلم الذي يريد أن يعيش في ضوء تعاليم الشريعة السمحاء المستقاة من كتاب الله و سنّة رسوله صلى الله عليه و سلّم.
و قد أمضى المحدّثون أعمارهم في جمع الحديث، صحيحه و ضعيفه، كل حسب منهجه و طريقته، حتى صار محفوظا في أسفار من كتب الحديث و انصرفت همّة عديد منهم إلى تأليف كتب مختصرة لطلبة العلم على طريق السنن حتى تسهل على طالب العلم معرفة المسائل الفقهيّة في ضوء السنة الشريفة و من أشهرها كتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني و نال حظًّا كبيرا من القبول و الرواج فتصدّى لشرحه جهابذة العلماء مثل محمد بن اسماعيل الأمير الصنعاني صاحب “سبل السلام” في العصور السالفة و مثل أستاذنا و شيخنا الفاضل الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد صاحب “فقه الاسلام” في أيّامنا الحاضرة.

و في هذا الباب ظهر كتاب “فقه السنّة” للفقيه المصري السيّد سابق فأجاد و أفاد، و من أحدث ما وُجد في هذا المجال تأليف أخينا المفضال و زميلنا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة أيّام الدراسة في الستّينات الشيخ محمد لقمان السلفي بعنوان “السعي الحثيث إلى فقه أهل الحديث” فجاء في ثلاث مجلّدات أنيقات فللّه درّه و على الله أجره و مثوبته. غير أنّ هناك من الفقهاء من أَكبّ على تأليف كتاب على هذا الغرار بحيث يجمع الأحاديث و الآثار مناصرة للمذهب الفقهي الذي ارتآه مثل الشيخ محمد بن علي ظهير شوق النيموي صاحب كتاب “آثار السنن” ليكون وفقًا للمذهب الحنفي و الشيخ ظفر أحمد العثماني صاحب كتاب “إعلاء السنن” الذي جاء ككتاب ضخم يضمّ الآحاديث و الآثار التي استنار بها الفقه على مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

و طبقا لما قيل: من صُنّف فقد استهدف، فإنّ الكتابين المذكورين خضعا للنقد و المناقشة من قبل علماء أهل الحديث، و من هذه الكتب ما أدلت به قريحة أخينا و أستاذنا الفاضل الشيخ إرشاد الحق الأثري و قد عَنْوَن كتابه بإعلاء السنن في الميزان مجاراة لما سبقه من المصنّفات.

و قبل أن تخوض في إبراز بعض مميزات هذا الكتاب يجدر بِنَا أن نقول أنّ هناك عدداً من المسائل التي شهدت عراكا بين فقهاء الأحناف و علماء أهل الحديث، غير أنّ المنصفين من علماء الأحناف – مع حرصهم الشديد على مناصرة مذهبهم – أقرّوا بما اتضح لهم من الحق و لو خالف مذهبهم. فمنهم الشيخ أحمد حسن السنبهلي صاحب “إحياء السنن” الذي تصدَّى لمثل ما تصدَّى له صاحب “آثار السنن” في جمع الأحاديث و الآثار وفقاً للمذهب إلا أنّه احتجّ بالأحاديث التي لم يأخذ بها المذهب فصار عُرضةً للنقد اللاذع من قبل أصحابه و خلاّنه. و منهم الشيخ عبد الحيّ اللكنوي و الشيخ أنور شاه الكشميري و القاضي ثناء الله بانى بتي فنراهم ينتصرون لبعض الآراء التي لم يقل بها الحنفيّة مثل قولهم في سُنّية رفع اليدين في الصلاة و قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل صرّح بالقول به الشاه وليّ الله الدهلوي و نقل عن أبيه الشاه عبدالرحيم القول به كذلك كما نقل الشيخ عبدالحيّ عن حسن بن غمّاز الشرنبلاني التصريح بوجوبه.

و عندما نشيد بهذه المواقف لهؤلاء المشاهير نقول إنّ الأمر ليس صراعًا و لا عراكًا بين الطوائف و الفرق، إنَّما هو حرص على اتباع النبيّ صلى الله عليه و سلّم في أقواله و أفعاله فإذا خفي على أحد من الناس – و لو كان صحابيّا أو إماما من الأئمّة – سنة من سنن المصطفى عليه السّلام فله عُذره و اعتذاره، أمّا من استبانت له سنّة النبيّ صلى الله عليه و سلّم فليس له إلا أن يتمسّك به قولا و عملا. أمّا ردّ قول النبي صَلَّى الله عليه و سلّم أو سنَّته الصريحة الواضحة بشيء من الأدلّة الضعيفة أو القياس أو الدليل العقلي فالأحرى أن يجتنبه المسلم الحريص على اتباع الحق.

و لا ننكر أنّ بعض الفقهاء قد عمدوا إلى ترك سنّة من السنن بِحُجَّة من الآيات القرآنية و ذلك بالأخذ بعمومها و إطلاقها كقولهم في عدم وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام بعموم قوله عزّ و جلّ: و إذا قُرئ القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلّكم ترحمون. (الأعراف: ٢٠٤) و لكن الحق الأبلج هو أن من قرأ علينا هذه الآية مستوحاة من الله تعالى هو الذي قال لنا: “لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب” كما رواه عبادة بن الصامت في مجموعة من الصحابة الذين روَوا مثله.

و كذلك قالوا في صلاة تحيّة المسجد ركعتين و الإمام يخطب بناءً على منافاته لمفهوم الآية المذكورة مع كون الآية مكّية و لم تشرع صلاة الجمعة إلاّ بالمدينة كما لا يضرّنا العمل بما أمر به النبيّ صَلَّىالله عليه و سلّم سليك الغطفاني بأداء صلاة ركعتين عندما دخل المسجد و هو يخطب إعمالا لهذا النصّ.

و رأينا في الآونة الأخيرة و خاصة من بداية هذا القرن الهجري جهودًا مكثّفة متمثلة في أكاديميات الفقه و مجالسه المحليّة و الدوليّة في مجال الاجتهاد الجماعي بغية الوصول إلى حلول و إجابات للنوازل التي تواجهها هذه الأمّة إزاء تطوّرات هائلة في مجالات الاجتماع و الاقتصاد فصارت الهِممُ تنصرف إلى مداولة هذه الثروة الهائلة من فقه السادة العلماء من المذاهب الأربعة و غيرها مما ندَرَ و اندثر لتساعد في الوصول إلى حلّ المشكلات و سدّ حاجات المجتمع المسلم في الشرق و الغرب تقريبا بين المذاهب و تأليفا بين الفرق و إرضاءً لله و رسوله صَلَّى الله عليه و سلّم.

و عودًا على بدءٍ، فنقول إنّ هذا الكتاب تميّز بعدّة مميزات:

تناول الشيخ إرشاد الحقّ الأثري جميع القواعد التي قعّدها صاحب كتاب “إعلاءالسنن” مثل قوله: إنّ المجتهد إذا استدلّ بحديث كان تصحيحا له”
“و ما سكت عنه أبو دَاوُد فهو صالح للاجتماع به”
“و سكوت النسائي و الحافظ ابن حجر و الحاكم و العراقي و الهيثمي عن حديث هو بمثابة تصحيح له”

و كذلك مثل قوله: إ”ذا رمز السيوطي لحديث بالحسن فهو تحسين له”
“و كل حديث أخرجه الضياء المقدسي في المختارة فهو صحيح و كذلك بعض آراءه في الأصول حيث قال:” الراوي المختلف فيه حجّة دون حجّة المتفق عليه”
“و مراسيل القرون الثلاثة حجّة لدينا” و قبوله للتدليس في مواضع دون أخرى.

ثم تكلّم الشيخ على كل قاعدة و أبان بوضوح و بيان أنّ المؤلّف خالف هذه القاعدة إذا لم يكن هناك انتصار لمذهبه فوقع في التناقض. ثم إنّه تكلّم عن شيوخ الإمام أبي حنيفة و الإمام أبي يوسف الذين تعرّضوا للجرح و التعديل بخلاف ادعاء صاحب الكتاب أنهم ثقات فيؤخذ عنهم بدون تردّد. و كلامه في الحديث المعنعن في مجال التدليس و فيما أخرجه المنذري في كتابه “الترغيب و الترهيب” جاء موضّحا لمعان دقيقة في هذا الباب.
و أشار الشيخ إلى هذه العصبيّة الممقوتة التي جعلت صاحب الكتاب يذكر زميلا ً له في المذهب و هو الشيخ أحمد حسن السنبهلي صاحب “إحياء السنن” بالوقاحة و قلّة الأدب. و للشيخ كلام نفيس في عدد من الرواة ما بين مُجرّحٍ و معدّل ليصل بالقارئ إلى ميزان العدل و الإنصاف في الحكم على الرواة.

و نختم هذا التقديم بكلام الإمام مالك رحمه الله: قال معن بن عيسى كان مالك يقول: لا يؤخذ العلم من أربعة و يؤخذ ممن سوى ذلك، لا يؤخذ من سفيه و لا يؤخذ من صاحب هوًى يدعو الناس إلى هواه و لا من كذّاب يكذب في أحاديث الناس و إن كان لا يُتَّهم على أحاديث رسول الله صَلَّى الله عليه و سلّم و لا من شيخ له فضل و صلاحٌ و عبادة إذاكان لا يعرف ما يحدّث به.

و اعتبر هذا الكتاب النفيس سفرًا علميًّا ينفع طلبة أصول الحديث و يهديهم إلى أدب الخلاف و بذل الجُهد الجهيد في طلب العلم و السعي الحثيث إلى الوصول إلى الحقّ بدون تعصّب مذهبي ممقوت أو إشباعًا لرغبة في الهوى.

و عسى الله أن ينفع به طلبة العلم و يجعله في ميزان حسناته ينتفع به يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

كتبه المفتقر إلى رحمة ربّه

صهيب حسن عبدالغفّار
رئيس جمعية القرآن الكريم
و الأمين العام لمجلس الشريعة الإسلامية
في بريطانيا و لندن

تحريرا في لندن بتاريخ ٧ رجب ١٩٣٦ هـ
الموافق ٢٦/٤/٢٠١٥ م